عراقيات يصلين نيابة عن الموتى مقابل المال

منار الزبيدي-الديوانية

“كان مرض زوجي يرهقني وفقر الحال يجعلني عاجزة تماما عن توفير الطعام البسيط أو شراء الدواء لزوجي”، هكذا تروي أم رامي (40 عاما) قصة بداية عملها فيما يعرف بـ”الإجارة”.
تقول أم رامي “لم تكن معيشتنا ميسورة لكنها متوسطة قبل أن يتعرض زوجي لوعكة صحية أصبح على إثرها عاطلا عن العمل، فوجدت نفسي مسؤولة عن خمسة أطفال وزوج عاجز، مما يتطلب مني إيجاد وسيلة عمل لشراء الغذاء والدواء والمصاريف الأخرى”.

وتتابع “في يوم من الأيام زارتني جارتي وأقنعتني بممارسة الخياطة، إلا أن زوجي كان يرفض دخول الناس إلى بيتنا كما يرفض الاختلاط بالنساء الأخريات بسبب وضعه النفسي الصعب بسبب عجزه، وبعد فترة قصيرة اتصلت بي جارتي وأخبرتني بأن قريبتها تبحث عن امرأة تستطيع أن تصلي نيابة عن والدتها المتوفاة”.

تقول أم رامي “كان مقترح العمل جديدا ومفاجئا لي، ففكرت به طويلا قبل حسم أمري بالموافقة، لأن الصلاة أمانة ومسؤولية أمام الله”، وتضيف أنها وافقت في نهاية المطاف على الفكرة لأن العيش بلا كرامة ذلة ومهانة، بالإضافة إلى أنها ستعمل داخل بيتها وترعى زوجها وأطفالها.

وتحصل أم رامي على أربعمئة دولار عن أداء ما بذمة الموتى من صلاة لعام كامل، وهي تسهر الليل لأداء هذه المهمة وتنهض صباحا لتعتني بزوجها وأطفالها.

أعداد كبيرة

وتعمل عزيزة الوائلي -وهي مديرة مدرسة ومحاضرة في المراكز الدينية بالديوانية- في الوساطة لتنسيق الأمور بين طرفي العمل بهدف مساعدة النساء، وقد استطاعت من خلال علاقاتها الاجتماعية أن توفر عمل “الإجارة” للكثير من النساء.

تقول عزيزة إن الإجارة لا تقتصر على النساء المعوزات فقط، فهناك نساء يتمتعن بمستوى مالي جيد يفضلن العمل بسرية تامة للتخلص من أزماتهن المالية.

كما أن هذا العمل -بحسب عزيزة- قائم على أساس الثقة بين الطرفين، إذ يتم اختيار العاملات بدقة عالية من ناحية الالتزام الديني واللغوي والعمر، وتتراوح أعمارهن بين 30-45 عاما.

وهناك ما يقرب من ألفي امرأة تشتغل بالإجارة في الديوانية، موزعات في مركز المدينة والأقضية والنواحي، والعدد في ازدياد مستمر.

تقول الطالبة في أحد المراكز الدينية زينب الكاظمي (39 عاما) “عندما توجهت لعمل الإجارة كنت متأكدة من قدرتي على ذلك، لأني ملمة بالتشريع وفقه الصلاة وشروطها. كان دافعي للعمل ماديا لأني مررت بظرف مالي صعب، وبمجرد زواله ونفاد المسؤولية انقطعت عن الإجارة كونها مرهقة ومسؤولية كبيرة، فقد أديت طلب صلاة سنتين وشهر صيام لمتوفى أتممتها خلال أربع سنوات”.

وبحسب زينب فإن الكثير من الطالبات والمحاضرات في المراكز الدينية بالديوانية، اتخذن الإجارة مصدر رزق بسبب عدم سماح عائلاتهن لهن بالعمل خارج المنزل.

وتقوم بعض النساء بمضاعفة صلاتهن في كل فريضة، مرة لنفسها وأخرى لغيرها، وكلما أتمت عملها التزمت بعمل آخر. هذا ما تفعله حوراء موسى وشقيقتاها اللتان تخرجتا من كليتي التربية والعلوم ولم تحصلا على أي فرصة عمل رغم بحثهن في القطاعين العام والخاص، فقد كانت الأخوات الثلاثة يعملن جميعهن في الإجارة لتأمين تكاليف العيش بعد أن توفي والدهن وانقطعت بهن سبل العيش.

سرية تامة

وقد تمارس بعض النساء هذا العمل بسرية تامة. تقول سميرة حسن (45 عاما) “عملت في الإجارة منذ ثلاث سنوات وما زلت دون إبلاغ زوجي بذلك، فأنا أعتبر نفسي موظفة وأنفق المال على نفسي وبناتي وأستثمره في أمور تخصني، الإجارة عمل شريف داخل البيت وكفيل بتوفير ما أحتاجه من أموال”.
وقد شاعت مهنة الإجارة بين النساء بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة في محافظة الديوانية التي تعتبر ثاني أفقر محافظات العراق، إذ بلغت نسبة الفقر 45%، بحسب آخر إحصائية للجهاز المركزي في وزارة التخطيط العراقية.

وأشار الجهاز في إحصائية نشرت هذا الشهر إلى أن معدل النشاط الاقتصادي للنساء بلغ 14.5%، مبينا أن نسبة البطالة لديهن بلغت 22.2%. وكان صندوق النقد الدولي قد أعلن في مايو/أيار 2018 أن معدل بطالة الشباب في العراق بلغ أكثر من 40%.

الدوافع الرئيسية

وكانت الإجارة مقتصرة ومحدودة على المكاتب الدينية وبعض العائلات قبل الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لكنها شاعت مؤخرا في الديوانية بسبب طابعها الديني وإيمان الناس بعذاب القبر وما يترتب على المتوفى من التزامات، لذلك فإنهم -حتى يخففوا عنه- يتوجهون نحو قضاء ما بذمته من واجبات دينية كمسؤولية أمام الله ووفاء للموتى، فضلا عن طابع المحافظة العشائري وقلة فرص العمل بالنسبة للنساء وعدم مراعاة خط الفقر ومعالجته من قبل الدولة العراقية، بحسب الباحث الاجتماعي سامر محمد علي.
ويؤكد الباحث أن هذا العمل لا يخلو من النصب والاحتيال كونه بعيدا عن المراقبة، خاصة أن الواجبات الدينية لها شروطها وواجباتها الدقيقة وحضورها الروحي، فكيف تتحول إلى عمل مقابل مبلغ من المال، ولهذا فإن إتقانه يتوقف على طبيعة الشخص العامل وضميره.

وبحسب الباحث الإسلامي عقيل الزبيدي، فإن الإجارة تشمل القيام بالعبادات لمن عنده عذر أو من فاتته الصلاة وأدركه الموت، لإبراء ذمته أمام الله في الدار الآخرة، فيتفق ذوو الميت مع شخص معين أن يقضي عن المتوفى واجباته العبادية مقابل المال.

ويعزو الزبيدي سبب ازدياد نسبة المشتغلين بالإجارة بعد عام 2003 إلى نماء الثقافة الدينية في المجتمع ورواج الإعلام والانفتاح والحرية في إبداء الرأي.

المصدر : الجزيرة

قد يعجبك ايضا
تعليقات
Loading...